السيد نعمة الله الجزائري
367
عقود المرجان في تفسير القرآن
« يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ » . مطلق الكافر ، أو الوليد بن المغيرة ، [ أو الأشدّ بن كلدة ، ] فإنّه ضرب النبيّ ولم يعاقبه اللّه وأنزل الآية . « 1 » روي أنّه صلّى اللّه عليه وآله لمّا تلا هذه الآية : « ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ » قال : غرّه جهله . وإنّما قال : « الْكَرِيمِ » دون سائر أسمائه لأنّه كأنّه لقّنه الإجابة حتّى يقول : غرّني كرم الكريم . « 2 » وهاهنا سؤال وهو : انّه تعالى وصف نفسه هنا بالكرم . وهذا الوصف يقتضي الاغترار به ؛ حتّى قالت العقلاء : من كرم الرجل سوء أدب غلمانه . قال مؤلّف الكتاب : إنّي رأيت في عنفوان شبابي في المنام أنّ القيامة قد قامت ودار في خلدي أنّ اللّه لو خاطبني بقوله : « يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ » - الآية - فما ذا أقول . ثمّ ألهمني في المنام أن أقول : غرّني كرمك يا ربّ . ثمّ إنّي رأيت هذا المعنى في بعض التفاسير . وإذا ثبت أنّ الكرم يقتضي أن يغترّ بصاحبه ، فكيف وقع الإنكار عليه ؟ والجواب من وجهين . الأوّل : انّه كريم وحكيم . لأنّ إيصال النعم إلى الغير ، لو لم يكن مبنيّا على الحكمة ، لكان تبذيرا لا كرما . فكأنّه قال : كيف اغتررت بكرمي وهو صادر عن الحكمة وهي تقتضي أن أنتقم للمظلوم عن الظالم ولو بعد حين وأن أعيد الناس للجزاء ؟ والحاصل أنّ الكرم بالخلق والتسوية وهي انتصاب القامة وسلامة الأعضاء وبالتعديل وهو تناسبها أو جعله مستعدّا لقبول الكمالات ، [ لا يقتضى أن لا يعيده إلى الحالة الأولى لأجل المجازاة بل ] يجب أن يعيده لأجل المجازاة تتميما للنعمة وإظهارا للحكمة . الثاني : انّ كرمه السابق بالخلق وغيره لا يوجب كرما لاحقا بالعفو عن جميع المعاصي . لأنّ غاية الكرم أن يبتدئ بالنعم من غير عوض ولا غرض . أمّا الكريم إذا أمر المنعم عليه بشيء وتلقّاه بالعصيان ، فليس من الكرم أن يغمض عن جرمه ، بل قد يعدّ ذلك ضعفا وذلّة ولا سيّما إذا كان المأمور به هو معرفة المنعم . « 3 » [ 7 ] [ سورة الانفطار ( 82 ) : آية 7 ] الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ( 7 )
--> ( 1 ) - تفسير النيسابوريّ 30 / 40 . ( 2 ) - مجمع البيان 10 / 682 . ( 3 ) - تفسير النيسابوريّ 30 / 40 - 41 .